زيارة قداسة البابا إلى لبنان

position: left

كان حضور قداسة البابا لاون في لبنان أكثر من زيارةٍ رسمية، كان أشبه بنفحة نورٍ عبرت سماء بلدٍ أنهكته العواصف، فاستعادت الشبيبة معه يقينها بأن الرجاء لا يموت.

جاءهم يحمل في يديه شعلة الشعار الذي اختاروه: "طوبى لفاعلي السلام"، فإذا بهذه الكلمات تتحوّل من آيةٍ محفوظة إلى نداءٍ حيّ يسكن القلوب، ويذكّرهم بأن رسالتهم تبدأ من الداخل قبل أن تمتدّ إلى العالم. بدا كمن يزرع في صدورهم بذور سلامٍ ينبت أولاً في النفوس ثم يفيض على الوطن. ومع كل كلمة كان يقولها، كانت أرواحهم تُنصت، كأنها تلتقط من صوته وعداً بأن المستقبل لا يُبنى باليأس، بل بالقلوب التي تمتلئ بالمحبة.

أتى بملامح الراعي لا بصولجان الحاكم، وبابتسامة المتواضع الذي يعرف أن القوة الحقيقية تُقاس بقدرة القلب على الانحناء لا بارتفاع العرش. وحين سار بين الشبيبة، أحسّوا أنّه يقترب منهم ليشاركهم وجَعَ قلوبهم، ويمسح ببساطته غبار الأيّام الثقيلة عن وجوههم.

وفي عظته المؤثرة قال: "في بعض الأحيان تحت وطأة صعوبة الحياة نميل أكثر إلى الاستسلام بدل الشكر… يا شعب لبنان العزيز أدعوكم للمحافظة دائماً على روح الامتنان". كانت عبارته تلك كصلاةٍ صغيرةٍ تُهمَس في أذن المستقبل، وكأنها تسأل: كيف نحمل الامتنان وسط الندوب؟ كيف نصنع السلام في أرضٍ تتقاطع فيها الذاكرة بالوجع؟

ذكَّرَنا بأنّ الشكرَ ليس غفلةً عن الألم، بل شجاعةٌ في مواجهته، وأن السلام ليس ضعفاً، بل فعلٌ يوميّ يُبنى بالصدق، بالاستماع، وبالإيمان بأن لبنان يستحقّ ممن يحبّه أن يبقى واقفاً.

غادر قداسة البابا لاون الرابع عشر لبنان، تاركاً بَصْمَتَه في الشبيبة كما يترك المطر الهادئ نضارته على أغصانٍ عطشى. مضى بجلال المتواضعين، وبقي حضوره نوراً في الذاكرة، يلهمهم بأن السلام يبدأ من قلبٍ ممتنٍ، وأن الرجاء يولد غالباً من كلمةٍ تُقال بمحبة وبحضورٍ يعرف كيف يكونكبيراًببساطة..

غادر قداسة البابا، لكن أثره بقي ومضة رجاء في عيون الشباب، ومساراً جديداً يرسمه الشعار العتيق: «سلامٌ يصنعه الذين يشكرون ولوثَقُلَتبهم الحياة».

غادر قداسة البابا، وصلاته للبنان بخور يعبق في كل زاوية من زوايا هذا الوطن الجريح، وطن الرسالة ووطن العيش المشترك، عساه يكون يوماً، كما قال قداسته، مفتاح السلام للشرق وللعالم أجمعين..